الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
542
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
المنبر فقال : « إني بين أيديكم فرط ، وأنا عليكم شهيد ، وإن موعدكم الحوض ، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا ، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدى ، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها » . وزاد بعضهم : « فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم » « 1 » . وعن أبي سعيد الخدري : أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - جلس على المنبر فقال : « إن عبدا خيره اللّه بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده ، فاختار ما عنده » ، فبكى أبو بكر - رضى اللّه عنه - وقال : يا رسول اللّه ، فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فعجبنا ، وقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ ، يخبر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن عبد خيره اللّه بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند اللّه ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا . قال : فكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا به ، فقال النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن أمنّ الناس على في صحبته وماله أبو بكر ، فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام ، لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر - رضى اللّه عنه - » « 2 » . رواه البخاري ومسلم . ولمسلم من حديث جندب : سمعت النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - يقول قبل أن يموت بخمس ليال « إني أبرأ إلى اللّه أن يكون لي منكم خليل » « 3 » . وكأن أبا بكر - رضى اللّه عنه - فهم الرمز الذي أشار به النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - من قرينة ذكره ذلك في مرض موته ، فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى .
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1344 ) في الجنائز ، باب : الصلاة على الشهيد ، ومسلم ( 2296 ) في الفضائل ، باب : إثبات حوض نبينا وصفاته ، من حديث عقبة بن عامر - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 496 ) في الصلاة ، باب : الخوخة والممر في المسجد ، ومسلم ( 2382 ) في فضائل الصحابة ، باب : من فضائل أبى بكر . من حديث أبي سعيد الخدري - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) تقدم في الذي قبله .